علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

144

سيد قطب

--> - النقص ليس ناشئاً بالضرورة عن الطبيعة الغربية ذاتها ومُلابسات حياتها البيئية والتاريخية فحسب ، وإنّما قد يتمخّض أحياناً عن تعمّد المؤرّخ الغربي تعطيل هذا العنصر استجابةً لمنهج معيّن في الدراسة . هذا المنهج - يؤكّد سيّد - غير صالح لتناول الحياة الإسلامية ، بل لتناول الحياة الشرقية على وجه العموم . ولكن عدم الصلاحية يتجلّى في جانب الدراسات الإسلامية أوضح وأقوى » . إضافة إلى هذا الخلل العميق في منهج الغربيّين والذي يجعله غير قدير على التعامل مع كلّ ما هو إسلامي في الفكر والحياة والعقيدة والتاريخ ، فإنّ ثمّة أسباباً أُخرى تدفع إلى الشكّ في قيمة الدراسات التاريخية الغربية للحياة الإسلامية تتمثّل بزاوية الرؤية التي يطلّ منها الأُوروبي على التاريخ وبحشدٍ من المؤثّرات التي حفرت خنادق عميقة في موقف الغربي من الإسلام . . « إنّه لا يخفى أنّ كلّ مرئي يختلف شكله باختلاف زاوية الرؤية . وكذلك الشأن في الأحداث والوقائع . والأُوربي بطبيعته ميّال ا لي اعتبار أُروبا هي محور العالم ، فهي نقطة الرصد في نظره . ومن هذه الزواية ينظر إلى الحياة والناس والأحداث . ومن هنا تتّخذ في نظره أشكالًا معيّنة ، ليس هناك مَن يملك الجزم بأنّها أصحّ الأشكال ، وهو يدركها في هذه الأوضاع ويفسّرها ويحكم عليها كما يراها . وإذا كان بديهياً أنّ أُوروبا لم تكن هي محور العالم في كلّ عصور التاريخ ، وكان الأُوربي لا يملك اليوم أن يتخلّص من وهم وضعها الحاضر حين ينظر إلى الماضي ، أدركنا مدى انحراف الزاوية التي ينظر بها الأُوربي للحياة الإسلامية التاريخية ، ومدى أخطاء الرؤية التي يضطرّ إليها اضطراراً ، ومدى أخطاء التفسير والحكم الناشئة من هذه الرؤية المعيّنة . ذلك كلّه على افتراض النزاهة العلمية المطلقة وانتفاء الأسباب التي تؤثّر على هذه النزاهة . فإذا نحن وضعنا في الحساب ما لا بدّ من وضعه ، وما لا يمكن جدّيّاً إغفاله من أسباب مُلِحّة قاهرة عميقة طويلة الأجل متجدّدة البواعث ، تؤثّر في نظرة الأُوروبي للإسلام وللحياة الإسلامية وللعالم الإسلامي ، من اختلاف في العقيدة ، إلى كراهية لهذا الدين وأهله ، إلى ذكريات تاريخية مريرة في الأندلس وفي بيت المقدس وفي الآستانة وفي سواها ، إلى صراع سياسي واقتصادي واستعماري ، إلى نزوات شخصية والتواءات فكرية ، إلى آخر تلك البواعث القديمة المتجدّدة أبداً ، إذا نحن وضعنا في الحساب ذلك كلّه ، وأضفنا إليه خطأ الرؤية ، أمكن أن نقدّر قيمة الدراسات الأُوربية في -